
رواية دار خولة للكاتبة بثينة العيسى تقدم عملاً مكثفًا يُصنّف كأقصوصة، مختلفًا عن أعمالها السابقة من حيث الحجم والتركيز السردي، إلا أنه يحمل قوة وأثرًا يتجاوز حجمه.
تروي الرواية قصة عائلة متفككة تجمع أفرادها خيوط من الادعاء لا من الحب، عائلة فقدت تماسكها مع غياب الأب الذي كان يمثل عمود هذا البيت.
بطلة الرواية، خولة، امرأة خمسينية تحاول استعادة شمل عائلتها بعد سبع سنوات من هذا الغياب، إلا أن هذه المحاولة تأتي على خلفية أمومتها المتعثرة والمحطمة، حيث تظهر خولة كأم تكافح لاستعادة شعورها بالأمومة المفقودة التي لم تستطع أن تحقّقها.
من خلال هذه الشخصية، تقدم العيسى نقدًا لاذعًا لأدوار الأمهات ومعايير المجتمع المتعلقة بالأمومة. خولة تجسد الأم التي لا تريد الاعتراف بتقصيرها أو فشلها في دورها، بل تلوم الظروف وتحاول التشبث بما تعتقده أمومة رغم تعارض ذلك مع حقيقة علاقتها بأبنائها.
يظهر هذا بوضوح مع ابنها الأكبر الذي كان “فأر التجارب الأول” في مختبر أمومتها، فقد حاولت أن تحبه بطريقتها الخاصة، لكنها فشلت في تلبية احتياجاته الحقيقية، مما يجعله غريبًا عنها وعن العائلة.
الرواية لا تكتفي بتقديم نقد للأمومة، بل تتطرق أيضًا لتأثيرات الحداثة والغزو الثقافي على الأسر العربية.
تتحدث العيسى عن التفكك الأسري الذي سببه تغير القيم وتغير الزمن، ويظهر ذلك جليًا في شخصيات الرواية التي تعاني من ضياع هويتها وتناقضاتها.
ما يميز دار خولة هو أسلوبها المكثف والعميق، إذ استطاعت العيسى بمهارة تحويل قصة قصيرة نسبيًا إلى عمل أدبي غني بالاقتباسات والتأملات العميقة، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يعرف شخصيات الرواية عن قرب، رغم عدم التفصيل في وصفهم.
العمل جاء مليئًا بأسئلة صعبة وواقعية، تدفع القارئ للتفكير والتأمل في حياته وعلاقاته.
الرواية أثارت إعجاب العديد من الأدباء والنقاد، حيث وصفها طارق عسراوي بأنها “رواية بحجم سمكة لكنها هادرة بأسئلة صعبة”،
واعتبرها عبدالله الحسيني أجمل أعمال بثينة العيسى.
أما طارق إمام، فوصفها بأنها “مختزلة كقيحٍ متجمد ينفجر فجأة”.
في حين أبدى أحمد مصطفى إعجابه بعنفها الأدبي وتأثيرها.
دار خولة عمل أدبي خفيف من حيث الحجم، يمكن قراءته في جلسة قصيرة، لكنه ثقيل بالمعاني والأفكار. هذه الرواية، بجملها المكثفة ولغتها العارية، تمنح القارئ رحلة تأملية في أدوار الأمومة، الهوية، والتفكك الأسري، متجاوزة حدود السرد التقليدي لتغوص في عمق النفس الإنسانية.
