قيمة الكاتب ليست في الجوائز، بل في القضايا التي يدافع عنها”: أحلام مستغانمي وشغف الأدب الرسالي

في عالم مليء بالتكريمات والجوائز الأدبية، تخرج الكاتبة الجماهيرية أحلام مستغانمي بتصريح ينبض بالحقيقة ويمس جوهر الرسالة الأدبية.
ففي حفل تكريمها كشخصية العام الثقافية في معرض الشارقة الدولي للكتاب، عبّرت مستغانمي عن رأيها الصريح بشأن الأديب وقيمته، قائلةً: “قيمة الكاتب ليست في الجوائز التي يحصدها، بل في القضايا التي يدافع عنها.” تلك الكلمات لم تكن مجرد عبارات عابرة، بل تلخيصًا عميقًا لرؤية مستغانمي التي لطالما كانت ترى الأدب أداة لنقل رسائل إنسانية وسياسية، وسلاحًا للدفاع عن القيم التي تؤمن بها.

الأدب بين الجوائز والقضايا

تلك المقولة تفتح لنا بابًا للتأمل في معنى الأدب ودور الكاتب. فاليوم، يعيش الأدب أزمةً قد تتعلق بتركيز البعض على الجوائز والشهرة بدلًا من تقديم قضايا تمس المجتمع وتدافع عن حقوق الناس وتُعبر عن آمالهم وآلامهم.
لكن، بالنسبة لأحلام مستغانمي، الأدب ليس مجرد كلمات توضع على الورق، بل هو سلاح حقيقي يستطيع الكاتب من خلاله أن يترك بصمة في قلوب القراء، وأن يُلهم الناس في زمن ضاعت فيه القيم الإنسانية.

الكتابة، في فلسفة مستغانمي، هي فعل مقاومة؛ مقاومة الصمت والظلم والتهميش.
الكاتب بالنسبة لها هو حامل لواء الحرية والدفاع عن الحق، يتخطى حدود الجوائز والماديات، ليُصبح رمزًا لقضية يدافع عنها ويعيش من أجلها.
هذه الرؤية تجعل من مستغانمي نموذجًا فريدًا في عالم الأدب العربي، حيث أصبحت الكتابة بالنسبة لها قضية تحررية تهدف لإيقاظ الضمائر ومواجهة الفساد والظلم.

تحوّل الكتاب إلى قضية

عندما قالت مستغانمي إن “الكتاب تحوّل إلى قضية”، كانت تُعبر عن إحساس عميق بمكانة الأدب وأهميته في حياة الناس. هذا التصريح لا يعني فقط أن الكتاب يحمل قضايا داخلية، بل أن الكتاب بحد ذاته أصبح رمزًا لقضية أكبر، هي قضية الوعي والمعرفة في مواجهة الظلامية والجهل.
إنه دعوة للعودة إلى الكتاب كمنبر لنقل التجارب الإنسانية والأفكار النبيلة، ولجعل الكتاب مصدرًا لتحفيز الفكر وإثارة التساؤلات.

في عصر تُهيمن فيه وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، يصبح الكتاب، أكثر من أي وقت مضى، أداة لمقاومة التفاهة وتسطيح المعرفة. بالنسبة لمستغانمي، الكتاب هو صوت الناس الصامتين، ومرآة المجتمع بأسره، يحمل في طياته قضايا تؤرق الأمة ويجسد أصوات من لا صوت لهم. الكتاب، وفق هذا التصور، ليس منتجًا للمتعة السطحية، بل هو قضية بحد ذاتها تحث المجتمع على مراجعة ذاته والنهوض بهمومه وأحلامه.

الأدب كرسالة إنسانية

رؤية أحلام مستغانمي للأدب تتقاطع مع رؤى كبار الأدباء عبر التاريخ، مثلما قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “الأدب الملتزم هو الذي لا ينفصل عن قضايا المجتمع.” وقد قدّمت مستغانمي عبر مسيرتها الأدبية أعمالًا مثل ذاكرة الجسد وفوضى الحواس، حيث جسّدت بأسلوبها الأدبي الفريد قضايا هامة تتعلق بالهوية والانتماء والمعاناة الفردية والجماعية.
من خلال كلماتها، حملت هموم المرأة العربية وقضاياها، وكشفت عن الأبعاد النفسية والاجتماعية للصراع الداخلي والخارجي.

بالنسبة لها، لا ينحصر الأدب في قضايا اجتماعية بحتة، بل يتعداها إلى البحث عن معانٍ إنسانية عميقة.
هو وسيلة لكشف الحقيقة وتحفيز القارئ على التفكير والتساؤل، ليصبح الأديب رسولًا للقيم التي تنبض بالإنسانية والشجاعة والحب والتضحية.
الأدب عند مستغانمي هو دعوة للتحرر من القيود الثقافية والاجتماعية التي تُكبّل المجتمعات، ويصبح رسالة أمل وقدرة على الصمود في وجه الظلم والفساد.

الجوائز والأضواء: هل هي هدف أم وسيلة؟

تأتي كلمات مستغانمي حول الجوائز لتضع حدًّا بين الغاية والوسيلة في حياة الأديب.
فالجوائز قد تضع الكاتب في دائرة الأضواء وتُعزز من شعبيته، لكنها ليست معيارًا لقيمته الحقيقية.
قيمة الأديب الحقيقية تُقاس بمدى صدقه وإيمانه بالقضايا التي يدافع عنها، ومدى تأثيره في قلوب القراء وعقولهم.

تلك النظرة تُظهر تواضعًا وفلسفة عميقة تجاه معنى النجاح الأدبي.
فالكاتب قد يحصل على عشرات الجوائز، لكن إذا افتقر كتابه للرسالة الإنسانية والالتزام بقضايا الناس، فإنه يفقد جزءًا من قيمته الحقيقية. تُشدد مستغانمي على أن الكاتب هو جزء من مجتمعه، ويجب عليه أن يستخدم قلمه لنقل معاناتهم وتحدياتهم، ليُصبح صوته هو صوت الناس وليس فقط مجرد كاتب يسعى للشهرة.

أحلام مستغانمي: نموذج للالتزام الأدبي

أحلام مستغانمي، بروحها النضالية وكتاباتها العميقة، تعتبر من الكاتبات اللواتي استطعن كسر حواجز الأدب التقليدي، لتجعل من كتاباتها تجسيدًا لقضايا المرأة والمجتمع العربي.
عبر أعمالها، أبرزت قضايا الحب والفقد، الذاكرة والهجرة، الهوية والانتماء، مستخدمة أسلوبًا شعريًا يمزج بين الواقعية والخيال، ليصبح الأدب معها عالمًا ساحرًا يلامس عمق الروح الإنسانية.

بفضل هذا الالتزام، أصبحت مستغانمي أيقونة أدبية في العالم العربي، تُقدر أعمالها في كل مكان وتترجم إلى لغات عديدة، مما يعكس عمق رسالتها الأدبية وأصالة قضاياها.
فقراء مستغانمي يجدون في كتاباتها ما يُعبر عن مكنوناتهم ويُلهمهم في مواجهة التحديات الحياتية، وهذا ما يجعلها واحدة من أكثر الكاتبات تأثيرًا وانتشارًا.

الخاتمة: الأدب كرسالة تتجاوز الكلمات

ختامًا، تلهمنا كلمات أحلام مستغانمي في حفل تكريمها لتفكّر عميقًا في معنى الأدب ودوره في حياتنا.
الأدب، في نظرها، ليس مجرد جائزة تُعلَّق على رفوف المكتبة، بل هو صرخة من أجل التغيير، وأداة للنضال من أجل حقوق الإنسان.
هو رسالة تتجاوز الكلمات المكتوبة، لتلامس عمق الإنسانية فينا.

الكاتب الحقيقي، كما ترى مستغانمي، هو من يملك الشجاعة للدفاع عن الحق، ومن يستخدم قلمه ليُحارب الظلم ويُعبر عن أصوات من لا صوت لهم. إنها رؤية تستدعي أن نجعل من الأدب جزءًا من رسالتنا في الحياة، وألّا نسعى للشهرة والأضواء فقط، بل لنحمل قضايا الإنسان ونُحوّل الكلمات إلى سلاح ينير درب الحرية.

قيمة الكاتب ليست في الجوائز، بل في القضايا التي يدافع عنها": أحلام مستغانمي وشغف الأدب الرسالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى